رؤية معمارية جديدة

افكار ونظرات ومشاريع مهندسة معمارية

المعالجات المناخية في تخطيط وتصميم المباني

مُساهمة 

الجزء الاول


أولاً الظروف والمشكلات المناخية:
يشغل معظم العالم الإسلامي الآن ، على خريطة العالم ، كتلة متصلة البنيان في النصف الشمالي من أفريقيا والربع الجنوبي الغربي من آسيا ، وهناك كتلة إسلامية أساسية تتمثل في جزر وأشباه جزر جنوب شرق آسيا ، وتتكون منها أساسا دولتا إندونيسيا وماليزيا ، وبين هاتين الكتلتين الإسلاميتين منطقة ثالثة صغيرة المساحة ولكنها عظيمة الكثافة السكانية وتتمثل في بنجلاديش ، أما قارة أوروبا ففيها دولة إسلامية واحدة هي ألبانيا(1).
إن الاستعراض السابق يوضح أن العالم الإسلامي يشغل حاليا كتلا ونطاقات عظيمة على خريطة العالم ، وهي إن كانت غير متصلة في بعض أجزائها إلا أنها تمتد من ساحل أفريقيا الشمالية المطل على المحيط الأطلنطي غربا إلى أقصي الجزر الإندونيسية المطلة على المحيط الهادي شرقا ، ومن خط عرض 25 جنوبي خط الاستواء إلى خط عرض 55 درجة شمالا قرب الدائرة القطبية الشمالية (2)، وبذلك يمتد العالم الإسلامي بالنسبة لدوائر العرض خلال 57 درجة عرضية تشتمل على عدد كبير من الأقاليم المناخية.
ويأتي تقسيم العالم إلى مناطق مناخية متعددة نظرا لتغير المناخ من منطقة إلى أخرى على سطح الكرة الأرضية نتيجة لاختلاف كميات الإشعاع الشمسي الساقطة وحركة الرياح التي تعمل على نقل الهواء البارد أو الساخن من منطقة إلى أخرى، إلى جانب أسلوب توزيع البحار واليابسة وشكل الأرض وتضاريسها (3).
وتوجد تصنيفات متعددة للمناطق المناخية في العالم ، ولكن بالنسبة لعمليات تصميم المباني فإنه يؤخذ بتصنيفات معينة تعتمد أساسا على اعتبارات الراحة الحرارية للإنسان ، التي يتم تعريفها على أنها الإحساس الفسيولوجي (الجسدي) والعقلي الكامل بالراحة (4)، وعلى هذا الأساس يتم تصنيف المناطق المناخية في العالم إلى أربع مناطق رئيسية (5):
أ-المناخ البارد القطبي: حيث تتركز المشكلة الرئيسية في نقص الحرارة أو الشعور بالبرودة بسبب فقدان جسم الإنسان للحرارة ، وذلك في كل أو معظم أجزاء السنة.
ب- المناخ المعتدل : حيث تتركز المشكلة في الشعور بالبرودة بسبب فقدان جسم الإنسان للحرارة خلال فترة معينة من السنة (فصل الشتاء)، والشعور بالحرارة بسبب الفقدان غير الكافي للحرارة الزائدة في خلال فترة أخرى من السنة (فصل الصيف ).
ج - المناخ الحار الجاف : والمشكلة في هذا المناخ هي ارتفاع درجات الحرارة مع جفاف الهواء، مع ارتفاع كميات الإشعاع الشمسي، كما أن الفرق بين درجات الحرارة نهارا وليلا أو صيفا وشتاء كبير، وهو ما يطلق علية المدى الحراري الكبير.
د- المناخ الحار الرطب : والمشكلة في هذا المناخ هي الزيادة في الحرارة التي يصاحبها ارتفاع في معدل الرطوبة النسبية.
لقد عاش المسلمون في بيئات ومناطق مناخية مختلفة لكل منها خصائصها وظروفها ومشكلاتها ، والتي كانت تمثل تحديا لكل من المخطط والمعماري المسلم ، فبعض هذه البيئات تميز بالبرودة الشديدة خاصة في فصل الشتاء، كما في هضاب إيران وأفغانستان والأناضول بتركيا، والبعض الآخر تميز بالمناخ الحار سواء كان رطبا كما في مناطق الخليج العربي وإندونيسيا، أو جافا كما في مناطق الصحاري، مثلما في السعودية ومصر وأفريقيا.
ونظرا إلى أن إقليم الصحاري الحارة الجافة يعتبر العمود الفقري للعالم الإسلامي (6)، إلى جانب أنه يشغل مساحة تفوق أيا من الأقاليم المناخية الأخرى بالعالم الإسلامي، فسوف يكون التركيز على استعراض المعالجات التخطيطية والمعمارية التي طبقها المسلمون في المدن والمباني التي أقاموها في المناطق الصحراوية الحارة.
وبصفة عامة فإن استراتيجيات التصميم المناخي في المناطق الحارة تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين (7):
1- في فصل الشتاء يجب أن يراعى في تصميم المبنى الاستفادة القصوى من الاكتساب الحراري عن طريق الإشعاع الشمسي مع تقليل فقد الحرارة من المبنى.
2- في فصل الصيف يكون الاحتياج للتبريد فيراعى تصميم المبنى بأسلوب يعمل على تجنب الإشعاع الشمسي وعدم الاكتساب الحراري، مع العمل على فقد الحرارة من داخل المبنى وتبريد فراغاته بوسائل مختلفة .
لقد نجح المسلمون في التصدي للمشكلات المناخية التي واجهتهم عند إقامة مدنهم ومبانيهم في المناطق الصحراوية ، وتمكنوا من خلال الاعتماد على الموارد والطاقات الطبيعية المتجددة والمتوافرة في البيئة ، كطاقة الشمس والرياح مثلا، من تحقيق عدة أهداف رئيسية أهمها(Cool:
أ- الحماية من الإشعاع الشمسي عن طريق توفير الظلال بأساليب تخطيطية ومعمارية متعددة.
ب- العمل على تحريك الهواء من خلال التخطيط التقليدي للمدينة ، الذي يعتمد على مظهرين أساسيين هما الشوارع الضيقة والأفنية المكشوفة (داخل المباني)(9).
ج- تنظيم درجة الحرارة ليلا ونهارا وتم تحقيق هذا الهدف من خلال استعمال مواد بناء معينة.
د- تحقيق التهوية الطبيعية باستخدام عناصر معمارية معينة كملاقف الهواء مثلا .
و- تعديل نسبة الرطوبة في الجو بزيادتها في المناطق الجافة باستخدام عنصر الماء .
ى- الاعتماد على الإضاءة الطبيعية في المباني من خلال استعمال بعض العناصر المعمارية ، مع معالجة ظاهرة الإبهار Glare من خلال استعمال المشربيات والفتحات الضيقة .
وسنحاول فيما يلي التوضيح بصورة أكثر تفصيلا كيف تم تحقيق الأهداف السابقة وغيرها على المستوى التخطيطي للمدينة الإسلامية ، وعلى مستوى التصميم المعماري للمباني أيضا .
ثانيا: المعالجات التخطيطية في المدينة الإسلامية:
لقد ازدهرت بعض المدائن الإسلامية وأصبحت منائر إشعاع للحضارة الإسلامية ، فقد شيد عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب مدينة البصرة (14هجرية - 635م ) وأسس أبو الهياج الأسدي مدينة الكوفة (17هجرية - 638م )، كما بنى الحجاج الثقفي، في أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، مدينة واسط (83هجرية /702م )، كما أسس الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بغداد (المدينة المدورة ) (145هجرية - 762م )(10).
فإذا انتقلنا إلى مصر وشمال أفريقيا نجد الفسطاط (21 هجرية / 641م ) أولى المدائن العربية الإسلامية في أفريقيا وقد أسسها عمرو بن العاص ، ثم شيد صالح بن علي العباسي مدينة العسكر شمال الفسطاط (133 هجرية / 850م )، كما أسس أحمد بن طولون القطائع (256هجرية / 870م)، ولا ننسى مدينة القيروان التي بناها عقبة بن نافع في تونس ( 50هجرية / 670م ) وكذلك مدينة المهدية التي بناها الفاطميون في تونس (303هجرية /915م )، ثم قاهرة المعز لدين الله التي أقامها جوهر الصقلي (358هجرية /969م ) لتكون أشهر العواصم الإسلامية على مر التاريخ(11).
كما تم إنشاء العديد من المدن والحواضر الإسلامية في مناطق أخرى من العالم الإسلامي كمدينة الزهراء في الأندلس ، التي شرع الخليفة عبد الرحمن الناصر في بنائها عام 325هجرية (936م)(12)، وإذا انتقلنا إلى غرب العالم الإسلامي نجد أن الإمبراطور "أكبر" قد شيد مدينة "فاتح بور سيكري" بالقرب من مدينة "أجرا" الهندية عام 977 هجرية (1569م) (13).
إن المدن الإسلامية ، خاصة في المناطق الحارة ، وحتى وقت غير بعيد، كانت تتشابه في خصائصها التخطيطية والحلول البيئية المتبعة في تصميمها، حيث كان تخطيط المدينة يجرى وفق مستويين (14): أحدهما التخطيط الواعي، وكان منصبا على التخطيط العام للمدينة ويشمل أسوارها وأبوابها وشوارعها الرئيسية التي كانت تتجه إلى قلب المدينة حيث المسجد الجامع ودار الإمارة ، أما المستوى الآخر، الذي يشمل الطرق الفرعية والمساكن المتكاثرة على مر الزمن فهو، وان كان يتم بطريقة تلقائية ، كان محكوما بعاملين أساسيين هما : العرف الحتمي، والتخطيط والعمارة معا في أبعاد الفراغ الثلاثة طبقا لظروف ما قد يستحدث من مبان .
لقد تمت مراعاة عدة عوامل ومعالجات تخطيطية لمجابهة المشكلات البيئية والظروف المناخية التي تعرضت لها المدن الإسلامية ، وسيتم استعراض هذه المعالجات في النقاط التالية :
1- شروط اختيار مواقع المدن الإسلامية
منذ أوائل العصر الإسلامي كان للعوامل البيئية والمناخية أثر كبير في اختيار مواقع المدن الإسلامية ، فعندما طلب قادة الجيوش من عمر بن الخطاب الإذن في إنشاء مراكز ومعسكرات لسكن الجنود أقرهم على ذلك واشترط أن يكون اختيار الموقع من قبل خبراء، وأن يكون على طرف البادية قريبا من الماء والمرعى، ولا تفصله عن المدينة المنورة موانع طبيعية كالأنهار والجبال (15)، وبموجب هذا التوجيه تم اختيار البصرة والكوفة ، اللتين كانتا هن أوليات المدن الإسلامية التي أنشئت في البلاد المفتوحة.
كما أن اختيار موقع مدينة الفسطاط جاء موافقا لتوصية عمر بن الخطاب ، فقد تم اختيار موقعها في مكان لا يفصله عن المدينة المنورة ماء، سواء في شهور الصيف أو شهور الشتاء (16)، ويؤكد ذلك ما ذكره المقريزي في خططه (17): "أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة ، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية ، ألا تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتى حتى أقدم عليكم قدمت ، فتحول سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة ، وتحول صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه فنزل البصرة ، وتحول عمرو العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط".
كما اهتم المسلمون أيضا بالاعتبارات الصحية والمناخية عند اختيارهم لمواقع مدنهم الجديدة ، فعند إنشاء مدينة "واسط" طلب الحجاج من أصحاب العلم والدراية في قضايا الصحة والزراعة والري والتجارة اختيار موقع مناسب لها، وطلب منهم أن يكون المكان مرتفعا وعلى نهر جار عذب ، وأن يكون مناخ المنطقة جيدا وطعامها سائغ(18)، وسار على النهج نفسه المعتصم بالله حين أراد أن ينشئ مدينة "سامراء"، فموقعها المختار مرتفع عن مستوى سطح النهر، فهي غير معرضة للغرق وهواؤها عذب وأرضها واسعة تحيط بها أراض زراعيه واسعه (19).
وعدت "جودة الهواء" من الميزات التي أشاد بها الجغرافيون في حديثهم عن الصفات الحسنة للمدن ، ومنهم من دلل على ذلك بأدلة عدة من المقاييس التي كانت تعتبر نافعة في معرفة طيب هواء الموقع أو فساده ، فقد ذكر القزويني مثلا في حديثه عن صنعاء مدللا على صحة هوائها أن : اللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد"، وذكر عن طليطلة أنه "من طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير"، وعندما تحدث عن أصفهان ذكر: "أنه لطيب هوائها يبقى بها التفاح غضا سنة والحنطة لا تسوس واللحم لا يتغير"(20).
ومن الروايات الطريفة في هذا المجال أن صلاح الدين الأيوبي عندما أراد بناء قلعته في القاهرة لجأ إلى طريقة علمية لا تخلو من الطرافة بغية اختيار أفضل مكان يصلح مناخه للإقامة ، فقد أمر بتعليق بهائم مذبوحة في أماكن عدة مناسبة وكلها تفي بغرضه العسكري، ولكن الموضع الذي تأخر فيه فساد اللحم عن سائر المواضع الأخري دل على أنه الجو الأنقي هواء وفيه أقيمت القلعة (21).
وعن شروط اختيار المدن بصفة عامة يشير ابن الأزرق إلى أن ما تجب مراعاته في أوضاع المدن أصلان مهمان (22): دفع المضار وجلب المنافع ، ثم يذكر أن المضار نوعان : أرضية ، ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة ووضعها في مكان ممتنع ، إما على هضبة متوعرة من الجبل ، وإما باستدارة بحر أو نهر بها، حتى لا يتوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة ؛ منالها على العدو ويتضاعف تحصينها والنوع الثاني من المضار سماوي، ودفعه باختيار المواضع طيبة الهواء ؛ لأن ما خبث منه بركوده أو تعفن بمجاورته مياها فاسدة أو منافع متعفنة أو مروجا خبيثة يسرع المرض فيه للحيوان الكائن فيه لا محالة ، كما هو مشاهد بكثرة".
والجدير ذكره هو أن المسلمين الأوائل لم يحبذوا اختيار مواقع مدنهم في المناطق الساحلية لضرورات أمنية ، ولكن بعد أن أصبح لهم قوة بحرية يعتمد عليها في حماية مدن السواحل اتجهوا لاختيار المواقع الملائمة مدنهم الساحلية ، ولا أدل على ذلك من تلك المدن العديدة التي أقامها المسلمون على سواحل شمال أفريقيا والأندلس ومن أمثلتها البارزة : المهدية والمرية (23).
ونظرا لوقوع معظم المدن والحواضر الإسلامية في مناطق صحراوية حارة ، فقد لجأ المسلمون إلى اتباع معالجات تخطيطية عدة بعد استيفاء شروط اختيار موقع المدينة ، كما أوضحنا سابقا، لمجابهة قسوة المناخ والظروف البيئية غير المواتية ، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية :
2- اتباع الحل المتضام للمبانى.
يقصد باتباع الحل المتضام في تجميع المدينة (24) هو تقارب مباني المدينة بعضها من بعض بحيث تتكتل وتتراص في صفوف متلاصقة لمنع تعرض واجهاتها بلا داع للعوامل الجوية مثل أشعة الشمس المباشرة ورياح الخماسين المحملة بالرمال ، التي تؤدي إلى رفع درجة الحرارة داخل المباني (25)، كما أن الاختلاف في ارتفاع المباني المتجاورة يؤدي إلى تظليل أجزاء كبيرة من أسقف هذه المبانى وحمايتها من أشعة الشمس وما ينتج عنها من طاقة حرارية ضاغطة خلال ساعات النهار (26).
إن أحياء المدينة الإسلامية لم تكن تفصلها بعضها عن بعض حواجز أو فواصل، وكانت البيوت في دمشق مثلا متلاصقة ، لا فسحة بين الدار والأخرى، حتى أنك لتحسب المدينة بناء واحدا ، وتماسك الأبنية الإسلامية وضيق شوارعها والاشتراك في الجدران يعود إلي عدة أسباب منها(27):
ضيق الرقعة المبنية وانحصارها ضمن سور أو واحة ، وهناك سبب مهم آخر تحكم بتركيب المدينة الإسلامية يعود إلى طبيعة المناخ المغبر الحار، فأكثر البلاد الإسلامية تمتد من الصين حتى الأندلس مرورا بالشام وشمال أفريقيا بين خطى 10 و35 درجة شمال خط الاستواء في بيئة معظمها حار تحيط بها الصحاري.
إن اتباع الحل المتضام أدى إلى اللجوء للشوارع الضيقة وتقليص مساحة الفراغات الخارجية المكشوفة في المدن الاسلامية ، فبمقارنة النسبة المئوية للفراغات والمساحات الكلية لبعض المدن وجد أن نسبة الفراغات الخارجية في المدينة الإسلامية حوالي 11% ، في حين أنها في المدينة الإغريقية 27%، وفي المدينة الرومانية 31%(28)، إن هذه المقارنة توضح ملاءمة نسبة الفراغات الخارجية بالمدن الإسلامية لطبيعة المناخ الحار، إلى جانب ملاءمتها من جانب آخر للمقياس الإنساني ووسائل النقل البسيطة في تلك العصور.
ولتعويض قلة نسب الفراغات الخارجية بالمدن الإسلامية فقد اتبع أسلوب تفريغ كتلة مباني هذه المدن عن طريق الأحواش والأفنية الداخلية ، والتي كان يتم عن طريقها توفير التهوية والإضاءة الطبيعية لمباني المدينة، إلى جانب ما توفره من خصوصية على مستوى المباني السكنية.
وإذا كان اتباع الحل المتضام في تخطيط مباني المدينة الإسلامية قد نجح كمعالجة مناخية فإنه يبدو، لأول وهلة ، حلا غير جيد من وجهة نظر مكافحة الضوضاء، خاصة أن الدراسات الحديثة للموجات الصوتية أوضحت أنها تتحرك من مصادرها في موجات كروية طويلة مستمرة وتقل سرعتها كلما زادت بعدا عن مصدرها، فكلما زادت المسافة إلى الضعف تقل الضوضاء بمقدار"5" ديسيبل (وحدة قياس الضوضاء)، وهذا يعني أن أفضل دفاع ضد الضوضاء هو زيادة المسافة بقدر الإمكان بين مصدر الضوضاء والمبنى المراد حمايته (29)، أي أن المبدأ الاساسي لتقليل الضوضاء يبدو كأنه لا يتفق مع أسلوب التخطيط المتضام الذي تم اتباعه في تخطيط المدن الإسلامية التقليدية ، حيث إن المسافة بين المباني والشارع ( مصدر الضوضاء) تكون صغيرة.
ومع ذلك فقد جرى مراعاة بعض المبادئ التخطيطية التي ساهمت في تقليل انتشار الضوضاء في شوارع المدينة الإسلامية ، خاصة في المناطق السكنية ، ويأتي على رأس هذه الحلول التخطيطية عزل مناطق الإزعاج والضوضاء كالأسواق مثلا عن المناطق السكنية ، حيث كان لكل تجارة سوق أو شارع خاص به ، فقد كانت الصورة الغالبة لأسواق القاهرة القديمة ، على سبيل المثال ، هي الشوارع التجارية التخصصية التي سميت أسواقها بأسماء السلع والبضائع التي تحويها (30)، أي أن الفصل الوظيفي بين الشارع التجاري والشارع أو الحارة السكنية قد ساهم بشكل كبير في تقليل الضوضاء بالأحياء السكنية ، إلى جانب أن تميز الشوارع والحارات السكنية بالنهايات المقفولة (31) قد ساهم بشكل كبير مع عوامل تصميمية أخرى كزيادة سمك حوائط المباني والانفتاح على الأفنية الداخلية ، في التغلب على مشكلة الضوضاء أو الحد منها نتيجة لاتباع الحل المتضام كحل مناخي يعمل على توفير الظلال ويقلل من تعرض المباني للإشعاع الشمسي في المدينة الإسلامية.
3- ضيق الشوارع وتعرجها:
إن اللجوء لاتباع الحل المتضام في النسيج العمراني للمدينة الإسلامية أدى بالتبعية لأن تكون شوارع المدينة ضيقة ، حيث يؤدي ذلك إلى تعرضها لأقل قدر ممكن من الإشعاع الشمسي المباشر، إلى جانب أن ضيق الشوارع كان يتناسب مع وسائل الانتقال في ذلك الوقت (الدواب والعربات التي تجرها الدواب ) والتي لم تكن تتطلب شوارع ذات عروض أكبر(32).
فلقد أوضحت دراسة شوارع المدينة المنورة - قديما - تعدد أشكال شبكة الطرق ما بين شارع وحارة وزقاق ، كل منها كان له وظيفة وغرض خاصان ، فالشارع والطريق وصل عرضه إلى أربعة أمتار ويصل بين الأبواب الرئيسية ومركز المدينة (حيث المسجد النبوي)، أما الحارات فتراوح عرضها بين 2-3 أمتار واستعملت كحركة رئيسية داخل المناطق السكنية ، ووجد بها بعض الأنشطة التجارية الخفيفة ، أما الزقاق فتراوح عرضه بين 1.50 – 2.00م ولم توجد عليه أي أنشطة تجارية(33).
وقد كان لارتفاع المباني على جانبي الشارع أثره الواضح في تحقيق نسبة ظل معقولة في هذه الشوارع ، فقد كانت نسبة ارتفاع المبانى إلى عرض الشارع بالمدينة المنورة 1 :2وأحيانا 1 :3 أو 1 :4 (34) ، وقد زاد من كمية الظلال تلك الرواشن والأجنحة التي كانت تبرز إلى عرض الشارع في الطوابق العليا من المباني.
لقد كانت الشوارع في المدينة الإسلامية ، بشكل عام ، ضيقة جدا لدرجة يصعب معها على دابتين سلوك الطريق باتجاهين معاكسين ، وذلك في القاهرة في أوج عزها أيام الفاطميين (35)، غير أن هذا لا يعني أن بعض المدن الإسلامية لم يعرف شوارع عريضة ، فيروى أن الشارع الرئيسي في البصرة أيام خلافة عمر بن الخطاب جعل عرضه حوالي اثنين وثلاثين مترا والشوارع الفرعية اثني عشر مترا أما الطرق الداخلية


منقول
يتبع الباقي


أضف تعليقا

ahmadsayedahmad من سوريا
24 يونيو, 2010 11:52 م
موضوع متميز آخر

أقراه الليلة في مدونتك التي ارتبطنا بها

مع أطيب الامنيات

د\\ أحمد
ravana من البحرين
30 يونيو, 2010 11:24 ص
شكرا دكتور احمد على المرور الجميل
يسعدني ويشرفني حضورك